مع الاحتفال باليوم العالمي للمرأة، يتجدد  السؤال الموسمي حول ما الذي اكتسبته المرأة المغربية طيلة عقود من حقوق يمكن أن  تكون قد أسهمت في تخويلها حق المشاركة في تدبير شؤون المجتمع، وتصدر مواقع  المسؤولية في مجموع القطاعات التدبيرية.

وفي معرض البحث عن إجابات موضوعية لمختلف أبعاد هذا السؤال ذي السمة الحقوقية،  تبرز زوايا متباينة بين قطاعات استطاعت المرأة أن تفرض فيها نفسها بما يتناسب  وكفاءاتها المعرفية والإدارية، وأخرى ما تزال تعيش على إيقاع تبخيس قدراتها  واعتبارها دون المستوى الذي يتيح لها المشاركة في تسييرها.

ومن هذه القطاعات، قطاع الإعلام، والإعلام الالكتروني على الخصوص، حيث ما تزال  المقاولات الإعلامية التي تديرها امرأة معدودة على رؤوس الأصابع، في ما تواجه  الإعلاميات العاملات في القطاع على وقع التمييز في تحديد المهام، واختيار مجالات  الاشتغال، والولوج إلى المعلومة، ناهيك عن الإكراهات الاجتماعية المرتبطة بخصوصية  العمل في الحقل الإعلامي.

وفي هذا الصدد، ترى الصحافية كوثر بنتاج عن موقع “ميديا24” ، في تصريح لوكالة  المغرب العربي للأنباء، أن الصحفية العاملة في الصحافة الالكترونية تواجه  الإكراهات نفسها التي  تعانيها المرأة العاملة في مجالات أخرى غير الصحافة من حيث  النوع الاجتماعي.

غير أن الصحافية المشتغلة في المجال الإلكتروني، بالنسبة إليها،  لها إكراهات  لصيقة بطبيعة مهنتها، “انطلاقا من تجذر الفكر الذكوري إلى مشاكل داخلية تتعلق  بطبيعة العمل ورؤساء التحرير والزملاء من الرجال وأحيانا حتى النساء”، لتسرد بعضا  منها، وفي مقدمتها “عدم مساواة أجرة المرأة مع الرجل وإن كانا في الرتبة ذاتها،  وإلزام المرأة بالعمل في الأقسام الخاصة بالموضة والطبخ وغيرها من المواضيع التي  ظل المجتمع يلصقها بالمرأة”.

فهذه الصحفية الواعدة، التي لم تدخل مهنة المتعب صدفة وإنما عشقا لهذه المهنة،  في مسيرة بدأتها من المرحلة الإعدادية والثانوية من خلال تجربة نادي الصحفيين  الشباب، والتي صقلتها من خلال تلقي تكوين محترف بأحد المعاهد العليا للصحافة  والاشتغال بمنابر إعلامية متنوعة، لاحظت أن “هناك نوعا من الغبن اتجاه المرأة  الإعلامية خاصة على مستوى تقلد المسؤوليات داخل المقاولات الصحفية، إذ غالبا ما  نجدها على رأس المقاولات الصحفية الموجهة للنساء”.

إلا أن كوثر سجلت من خلال تجربتها المهنية، التي انطلقت بشكل احترافي سنة 2013،  أن هناك “حضورا إيجابيا للمرأة في العمل الصحفي الالكتروني مع كل صعوباته موازاة  مع الرجل، إذ تكون إلى جانب زميلها في تغطيات الكوارث، وتنجز تحقيقات خطيرة،  وتتعرض هي الأخرى لضغط الوقت، الذي يعتبر أكبر إكراه في العمل الصحفي الالكتروني”،  مؤكدة أن “الصحفية، وبفعل حساسيتها المهنية، تظل في بحث مستمر عن الأخبار، تعيش  جراءه حالة من الانتظار والإنهاك، ناهيك عن تحملها أعباء مسؤوليتها داخل البيت  كزوجة، دون مراعاة للضغوط التي تتعرض لها من أجل التوفيق بين العمل والبيت”.

والرأي ذاته تشاطره الصحفية مريم بوتروات عن موقع “اليوم 24” ، مشيرة إلى أن  نظرة المجتمع للمرأة الصحافية عموما لا يختلف كثيرا عن النظرة لها في مجالات  متعددة تعتبر حكرا على الرجال كالسياسة والإدارة وغيرها.

وأضافت، في تصريح مماثل، أنه لا يمكن إخفاء حضور النظرة الدونية للمرأة العاملة  في المجال الإعلامي بمختلف أشكاله، حيث أن الاعتقاد السائد هو أنها “عاجزة عن تحمل  ضغط المهنة”، وغيرها من “الكليشيهات” التي تنضاف إلى مشاكل أخرى، منها التعامل  معها “كأنثى” وليس “كمهنية” لها وظيفتها ودورها الذي تقوم به من أجل إيصال  المعلومة في أسرع وقت إلى المتلقي.

غير أن هذه الصحفية، خريجة أحد المعاهد العليا للصحافة والإعلام، تؤمن أنه  “بفضل خصالها المهنية الكفؤة، وتميزها بقدرة كبيرة على الصبر والتحمل، والجدية في  العمل، بمقدور الصحافية أن تفرض نفسها”.

خصال إذن عديدة تتميز بها الصحافيات عموما، والممتهنات للصحافة الالكرتونية على  الخصوص، وهو ما أكدته مديرة موقع “فبراير كوم” السيدة مارية مكريم، التي سجلت أنهن  يتميزن “بالتزام أكثر وانخراط قوي في تعاطيهن مع الخبر، وبالكفاءة  والسعي الدائم  إلى سمعة مهنية متألقة، وبناء علاقات طيبة بمصادر الخبر، فضلا عن جرعة زائدة في  التضحية من أجل مهنتها بالتزاماتها الاجتماعية والأسرية”.

وبعد أن أبرزت مجموعة من التحديات التي تواجه الصحافيات العاملات في الإعلام  الالكتروني، من سرعة بث ومتابعة انسياب  وصبيب الأخبار في أزمنة قياسية، ونقل  الوقائع مباشرة من عين الحدث بالصوت والصورة في ظل منافسة قوية بين مختلف المواقع  الالكترونية، لاحظت، من موقعها كمسؤولة عن مقاولة صحفية، إلى وجود خصوصية في تعاطي  الصحافية مع بعض المواضيع التي تمس راهن المرأة وحقوقها المدنية والاجتماعية، إلى  حد قد تتحول فيه من ناقل للخبر إلى فاعل في مجرياته.

ومع ذلك أقرت بوجود قواسم مشتركة بين الفاعلين في الإعلام الالكتروني من  الجنسين، والتي أجملت بعضها في المهنية واحترام قواعد كتابة الأجناس الخبرية  والالتزام بأخلاقيات المهنة وغيرها من الضوابط التي تهم العمل الصحفي، مستدركة أن  الصحافية تتأثر في عملها بمجموع الأحكام والصور النمطية السائدة داخل المجتمع  المغربي بخصوص عمل المرأة.

إذ شددت على تأثر أدائها وتطورها المهني بهيمنة النظرة الدونية التبخيسية لعمل  المرأة كيفما كان، والتشكيك في مدى قدرتها على خوض مسيرة مهنية ناجحة، سواء كصحفية  مهنية أو كمديرة ومسيرة لمقاولة صحافية الكترونية، مشيرة إلى أن قطاع الإعلام هو  جزء من منظومة مجتمعية متكاملة تنعكس عليها مجموع القيم الاجتماعية التي تحكم رؤية  الآخر (مؤسسات، أشخاص، مسؤولين، هيئات نقابية وحزبية) إلى مشاركة المرأة في تدبير  الشأن العام وحقها في الولوج إلى مراكز القرار.

وعليه، تضيف السيدة مكريم، تجد الصحافية نفسها في مواجهة “ترسانة من الأحكام  التي يمكن أن تحول دونها ودون متابعة مسيرتها المهنية، ما يخلق لديها شعورا داخليا  غير واع بالفشل، ويفرض عليها تحديا إضافيا من أجل إثبات الذات في مجال يتميز  بمنافسة قوية من أجل تحقيق السبق والتميز”.

ويبقى أن ملاحظات وشهادات مهنيات الصحافة الالكترونية تجد لها صدى في الأرقام  والمعطيات، التي سبق وأن خلصت إليها دراسة ميدانية أنجزتها الرابطة المغربية  للصحافة الالكترونية في 2012، بشراكة مع المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم  والثقافة (الإيسيسكو)،  بخصوص الصحافة الإلكترونية في المغرب.

وفي هذا الصدد، أوضح السيد عادل اقليعي، الرئيس السابق للرابطة، وأستاذ الصحافة  الإلكترونية بالمعهد العالي للصحافة والإعلام بالدار البيضاء، أن هذه الدراسة،  التي همت صحفيات وصحفيين بأزيد من 52 مدينة مغربية، أظهرت أن”الحضور النسائي  بالصحافة الإلكترونية، وكما في باقي القطاعات الإعلامية الأخرى، يبقى ضعيفا مقارنة  مع السيطرة الذكورية، ربما في الصحافة الإلكترونية يظهر بشكل كبير نظرا لكون هذا  المجال غير مستقر وهو ما لا يشجع الصحفيات لركوب مغامراته، إلى جانب غياب التشريع  القانوني وضبابية الاستثمار الإلكتروني بالمغرب، وإن كنا نلاحظ بعض التجارب  الصحفية الالكترونية مؤخرا تقودها صحفيات بنسبة كبيرة، وهو ما يعتبر سابقة في  الإعلام الالكتروني العربي”.

وأضاف السيد اقليعي، الذي يرأس أيضا موقع “أون مغاربية” في تصريح للوكالة، أن  الدراسة أظهرت أيضا أن نسبة الرجال تفوق بكثير نسبة النساء، حيث تصل نسبة  الصحافيين الالكترونيين الذكور إلى 90 في المائة، بينما لا تتجاوز في صفوف الإناث  10 في المائة، ما يعني، حسب الدراسة ، أن “الصحافة الإلكترونية هي صحافة ذكورية”،  مشيرا إلى أن 62 في المائة من الصحافيات العاملات في المجال الالكتروني يتراوح  معدل السن عندهن ما بين 20 و 35 سنة، فيما يصل متوسط العمر إلى 30 سنة.

وفي ظل غياب معطيات أخرى جديدة، يمكنها أن تعزز هذه الأرقام أو تفندها، فإن  راهن المرأة الصحافية العاملة في الإعلام الالكتروني يرتبط بالتقدم الذي يمكن أن  يحصل في ملف المرأة ومنحها كافة حقوقها الدستورية، وإحداث وتفعيل الهيئات المخول  لها تنزيل مبدأ المناصفة والمساواة، واعتماد مقاربة النوع الاجتماعي في كافة  القطاعات.

ومع  8 مارس 2016

هذا الموضوع متاح ايضاً فى fr_FR.